ساسي سالم الحاج
131
نقد الخطاب الاستشراقي
تخشى منها أي ضرر طالما كان الرسول لم يهاجم ديانتها ، أو يسفه أحلامها ، أو يشتم آباءها وأجدادها . وأورد « رودنسون » مقاطع عن ابن إسحاق تصوّر هذه الفترة تصويرا دقيقا منها « فلما بادأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قومه بالإسلام وصدع به كما أمره اللّه ، لم يبعد منه قومه ، ولم يردوا عليه - فيما بلغني - حتى ذكر آلهتهم وعابها ، فلمّا فعل ذلك أعظموه وناكروه ، وأجمعوا خلافه وعداوته . . . الخ » « 1 » . ولكن المعارضة تطورت حتى أصبحت شديدة الوطأة عندما أحسّت أن لهذه الحركة الدينية آثارها التي لا تقتصر على الأمور السلبية ولكن سوف تكون لها مفاهيم إيجابية في مستقبل الأيام . ويرى « رودنسون » أن هناك عاملين سيكون لهما أثرهما عند إيضاحهما على مستقبل الدعوة الإسلامية . أمّا العامل الأول فيتعلّق بموقف محمد من آلهة قريش ، والعامل الثاني يتعلّق بدوره المرسوم له . ونحن قد أوضحنا في الجزء الثاني من كتابنا هذين العاملين ورددنا عليهما تفصيلا . ولكننا نريد في هذا السياق الإشارة إلى أن رودنسون عندما أشار إليهما وصل إلى نتيجة مفادها أن المعارضة القرشية قد أصبحت أكثر جدية وقساوة عندما رفض محمد دور الديانات والعبادات القرشية والعربية الأخرى ، ولم يرض غير اللّه إلها الذي لا شريك له في ملكه ، وهذه العقيدة المبنيّة على التوحيد المطلق للّه مسحت تأثير آلهة قريش واقتلعتها من جذورها ، ومن هنا كان يتحتم على المعارضة القرشية الدفاع عن آلهتها ومعتقداتها وسنن آبائها وأجدادها . أما العامل الثاني المتعلّق بدور الرسول فإن قريش قد أدركت أن نجاح محمد الديني سيقوده حتما إلى القيادة السياسية لبلاده وهو أمر تأباه قريش وترفضه على الدوام رفضها لمن سبقه ممن حاول ذلك . ونستنتج مما سبق بيانه أن « رودنسون » كان يرجع أسباب المعارضة القرشية إلى العوامل الدينية والسياسية على حدّ سواء بالإضافة إلى العوامل الاجتماعية التي تؤدّي حتما - بانتشار الإسلام ومبادئه - إلى القضاء على الطبقية المتحكمة في المجتمع المكي . وإذا كان الحال كذلك ، وقد احتدم الصراع بين النبي وأصحابه من جهة وبين قريش وزعمائها من جهة أخرى فهل جرت محاولات للتوفيق بينهما ؟ .
--> ( 1 ) الطبري ، المرجع السابق ، الجزء الثاني ، ص 1174 .